كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro
تتجه أنظار المستثمرين حول العالم إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي المقرر غداً الأربعاء 29 يوليو 2026، والذي يُعد أحد أهم الأحداث الاقتصادية لهذا العام، في ظل تزايد حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية الأمريكية. ولا يقتصر اهتمام الأسواق على قرار أسعار الفائدة فحسب، بل يمتد إلى البيان المصاحب والمؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش ، حيث تبحث الأسواق عن أي إشارات قد تحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
ورغم أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يزال يتمثل في الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير ضمن النطاق الحالي البالغ 3.50% - 3.75%، فإن احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، مدفوعة بتجدد الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. وتشير تسعيرات الأسواق إلى وجود انقسام واضح بين المستثمرين، حيث لم يعد قرار التثبيت محسوماً كما كان قبل أسابيع قليلة، وهو ما يرفع من أهمية هذا الاجتماع مقارنة بالاجتماعات السابقة.
التضخم لا يزال مصدر القلق الأكبر
يواجه الاحتياطي الفدرالي معضلة معقدة تتمثل في تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي. فعلى الرغم من أن بعض المؤشرات أظهرت تباطؤاً نسبياً في الضغوط السعرية مقارنة بذروتها السابقة، إلا أن التضخم لا يزال أعلى من مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
كما ساهم ارتفاع أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية في إعادة المخاوف بشأن انتقال تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة إذا استمرت هذه الضغوط لفترة طويلة. وفي المقابل، لا يزال الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي متماسكاً، بينما تواصل الشركات الكبرى تسجيل مستويات جيدة من الاستثمار والتوظيف، الأمر الذي يزيد من صعوبة اتخاذ قرار سريع بالعودة إلى سياسة نقدية أكثر مرونة.
كيفن وارش... رسائل حذرة للأسواق
تكتسب تصريحات رئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش أهمية استثنائية، نظراً لأنها ستكون المرة الأولى التي يترقب فيها المستثمرون مؤتمراً صحفياً بعد سلسلة من البيانات الاقتصادية التي حملت رسائل متباينة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شدد وارش على أن البنك المركزي سيظل ملتزماً بتحقيق هدف التضخم البالغ 2%، مؤكداً أن استقرار الأسعار يمثل الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي المستدام. كما أوضح أن الاحتياطي الفدرالي سيواصل الاعتماد على البيانات الاقتصادية في اتخاذ قراراته، وأن أي خطوة مستقبلية ستعتمد على تطورات التضخم وسوق العمل والنشاط الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، حرص وارش على تجنب إعطاء الأسواق أي توجيه مباشر بشأن اجتماع يوليو، الأمر الذي أبقى جميع الخيارات مطروحة على الطاولة. ويعتقد العديد من المحللين أن لغة البيان والمؤتمر الصحفي ستكون أكثر أهمية من قرار الفائدة نفسه، إذ ستحدد توقعات المستثمرين بشأن اجتماعي سبتمبر ونوفمبر.
ارتفاع عوائد السندات يعكس تغير توقعات المستثمرين
شهدت سوق السندات الأمريكية تحركات قوية خلال شهر يوليو، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة بشكل ملحوظ مع إعادة المستثمرين تسعير توقعاتهم لمسار السياسة النقدية.
فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من مستويات قريبة من 4.40% في بداية الشهر إلى ما يقارب 4.65% قبيل اجتماع الاحتياطي الفدرالي، بينما صعد العائد على السندات لأجل عامين إلى أعلى مستوياته منذ أكثر من عام، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق بدأت تستبعد سيناريو خفض الفائدة في المدى القريب.
ويعكس هذا الارتفاع قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن الاحتياطي الفدرالي قد يضطر للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما انعكس أيضاً على قوة الدولار الأمريكي وضغوط البيع التي شهدتها بعض أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة.
سوق العمل يمنح الفدرالي مساحة للمناورة
في المقابل، ما زالت بيانات سوق العمل الأمريكي تظهر مرونة ملحوظة، حيث بقي معدل البطالة عند مستويات منخفضة، مع استمرار الشركات في خلق فرص عمل جديدة، وإن بوتيرة أبطأ من العام الماضي.
وتمنح هذه المرونة الاحتياطي الفدرالي مساحة أكبر للإبقاء على سياسته النقدية المتشددة دون القلق من دخول الاقتصاد في ركود حاد. إلا أن استمرار تشديد السياسة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ أكبر في النشاط الاقتصادي، وهو ما يجعل البنك المركزي حريصاً على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة.
ماذا ستراقب الأسواق؟
لن يكون التركيز منصباً على قرار الفائدة فقط، بل على الرسائل المستقبلية التي سيحملها البيان الرسمي، وعلى إجابات كيفن وارش خلال المؤتمر الصحفي.
فإذا أكد الاحتياطي الفدرالي أن الضغوط التضخمية لا تزال مرتفعة وأنه مستعد لاتخاذ مزيد من الإجراءات عند الضرورة، فمن المرجح أن ترتفع عوائد سندات الخزانة والدولار الأمريكي، بينما قد تتعرض أسواق الأسهم، ولا سيما شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لمزيد من الضغوط.
أما إذا أشار البنك المركزي إلى أن السياسة النقدية الحالية أصبحت مقيدة بما يكفي، وأن القرارات المقبلة ستعتمد بصورة أكبر على البيانات الاقتصادية، فقد تعتبر الأسواق ذلك بداية تحول نحو موقف أقل تشدداً، وهو ما قد يدعم الأسهم والذهب ويضغط على الدولار.
بيانات اقتصادية حاسمة بعد القرار
وتزداد أهمية اجتماع هذا الأسبوع نظراً لأن الأسواق ستستقبل بعد أقل من 24 ساعة بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثاني، إلى جانب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي لقياس التضخم.
كما تتزامن هذه البيانات مع ذروة موسم إعلان نتائج أعمال الشركات الأمريكية، وعلى رأسها Microsoft وMeta Platforms وApple ، الأمر الذي قد يزيد من حدة التقلبات في الأسواق العالمية، خاصة إذا جاءت نتائج الشركات أو البيانات الاقتصادية مخالفة للتوقعات.
التأثير المحتمل على الأسواق المالية
من المتوقع أن تشهد الأسواق العالمية تقلبات مرتفعة خلال الساعات التي تلي القرار، إذ سيكون الدولار الأمريكي، وعوائد السندات، وأسعار الذهب، وأسواق الأسهم الأمريكية في مقدمة الأصول المتأثرة.
ففي حال صدور قرار أو بيان أكثر تشدداً من المتوقع، قد يواصل الدولار الأمريكي مكاسبه، بينما قد يتعرض الذهب لضغوط نتيجة ارتفاع العوائد الحقيقية، وقد تشهد مؤشرات S&P 500 وNasdaq عمليات جني أرباح، خصوصاً في أسهم التكنولوجيا والنمو.
أما إذا جاء البيان أقل تشدداً، فقد تشهد الأسواق موجة ارتداد قوية، مع تراجع الدولار وانخفاض عوائد السندات وتحسن أداء الذهب، في حين قد تستفيد الأسهم الأمريكية من تزايد الرهانات على اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.
يدخل الاحتياطي الفدرالي اجتماع يوليو وسط بيئة اقتصادية معقدة تتداخل فيها الضغوط التضخمية مع استمرار قوة سوق العمل، وارتفاع أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، إلى جانب الأداء القوي للاقتصاد الأمريكي. وبينما يبقى تثبيت أسعار الفائدة السيناريو الأكثر ترجيحاً، فإن الرسائل التي سيبعث بها رئيس الاحتياطي الفدرالي كيفن وارش ستكون العامل الأكثر تأثيراً في رسم توقعات الأسواق خلال النصف الثاني من العام.
وبالتالي، قد لا يكون قرار الفائدة هو الحدث الأهم بحد ذاته، بل الكيفية التي سيقيّم بها الاحتياطي الفدرالي المخاطر الاقتصادية، وما إذا كان سيُبقي الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، أم سيبدأ في تهيئة الأسواق لمرحلة أكثر مرونة إذا استمرت الضغوط التضخمية في التراجع خلال الأشهر المقبلة.
* المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي